الإبداع يأتي بعد انتهاء المدرسةمجلات الأطفال تحتضر أمام الدش وفقر الخيال في المدارس

January 29, 2008 by rehabeldinelhawary

بقلم رحاب الدين الهوارى

الإبداع يأتي بعد انتهاء المدرسةمجلات الأطفال تحتضر أمام الدش وفقر الخيال في المدارس يعقوب الشاروني: شخصية الطفل لم تتغير.. ما تغير هو المناخ الثقافي أحمد زرزور: في المائة من كتاب الأطفال أغفلوا الإبداع فيما يكتبون سمير عبدالباقي: القيم والإرشادات تؤخد عن الكتابة المبدعة للطفل وليس العكس في عصر الدش والفضائيات التي تذيع أفلام الكارتون علي مدار الساعة ماذا يتبقي للطفل الذي بهرته الصورة الملونة المتحركة وماذا ينبغي لكتب ومجلات الأطفال من عناصر الجذب التي تحافظ بها علي صلتها مع جمهورها من الصغار؟ كيف يمكن أن ينافس الكتاب والمبدعون أفلام الكارتون وكيف يمكن أن تنافس المجلة ذات الموارد المحدودة التليفزيون؟ وهل يقع جزء من تبعة تراجع القراءة عند الأطفال وبالتالي تراجع صلتهم بالمطبوعات الموجهة إليهم علي المدرسة ؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاول الإجابة عليها في التحقيق التالي. يعقوب الشاروني كاتب الأطفال شدد علي أهمية دراسة كاتب الأطفال لشخصية الطفل، وأهمية أن يكون الطفل نفسه جزءاً أساسياً من حياة أي كاتب، وعن نفسي فأنا أحتك بعالم الطفل بشكل مباشر، وأحرص علي الالتقاء بالأطفال في كثير من الملتقيات، كما أحرص علي الاستماع لهم لأتعرف علي أفكارهم وآرائهم وأستطيع أن أحدد الفرق في التفكير بين عالمنا نحن الكبار وعالمهم، كما أنني حريص علي القراءة في علوم التربية وعلم النفس وفي أدب الكبار والصغار وفي الأدب العالمي، فالاطلاع علي جميع المناخات المختلفة أمر ضروري لأي كاتب. وأما عن شخصية الطفل وتأثُرها بالمحدثات الجديدة فأنا أري من خلال احتكاكي المباشر بعالم الأطفال، أن شخصية الطفل لم تتغير في حد ذاتها، ولكن المناخ الثقافي العالمي والمؤثرات اختلفت اختلافاً كبيراً، حيث أصبح الاهتمام بالجانب العلمي إحدي أدوات كاتب الأطفال، هذا الشيء الذي لم يكن له وجود فما مضي، وإن كنت أجد أن المكتبة العربية مازالت غير مهتمة بهذا الثراء العلمي الذي أصبح هو سمة العصر.الكتابة للطفل أصعب وأجملومن ناحيته يري الشاعر أحمد زرزور رئيس تحرير مجلة قطر الندي أن الكتابة للطفل إبداع في المقام الأول، والإبداع من أهم شروطه تحقيق المتعة وخصوصاً مع الطفل وهو شخصية ذات خيال واسع، وأذكر هنا مقولة الشاعر الهندي الكبير طاغور: الأطفال شعراء حتي العاشرة مساءً، ويوضح هذا لأي مدي يطلق الطفل العنان لخياله في التعامل مع كل شيء، وان كنا لا نستطيع أن ننفي أن هناك جزءاً قيمياً علي المبدع أن يتمسك به، ولكن عليه أن يجعل القيمة تنساب في الإطار الإبداعي الممتع، بعكس الخطاب المدرسي الذي يُسمح له بإدراك القيم والمباشرة في التوجيه، وهذا لمحدودية دور المدرسة، والذي أري دائماً أن الإبداع يأتي بعد إغلاقها، فيبدأ عالم جديد أكثر متعة وأكثر جمالاً وان كنا وللأسف نفتقد هذا الإبداع، فمعظم كتاب الأطفال يتعاملوا مع الطفل دون معرفة، حيث أغفل أكثر من في المائة من الكتاب الدور الإبداعي في كتاباتهم، معتبرين أنهم يتعاملون مع شخصيات متوحدة غير متكررة، سهلة المراس ومن السهل إرضاؤها، بما جعلهم بهذا يتعاملون مع أشباح ليس لهم وجود . وعن نفسي لم أتجرأ علي الصعود بالكتابة للأطفال قبل أن أمر بالمراحل الأسهل، فكتبت للكبار أولاً، بعدها حققت حلمي الأول وكتبت للطفل، وهي كتابة أصعب وأجمل في الوقت ذاته، والأمر الذي حثني علي اختيار هذا النوع من الكتابة هو ما كنت أجده من الأشعار المدرسية ذات اللغة المهجورة والمفردات الصعبة دون داع، الشيء البعيد كل البعد عن لغة الطفل ومتطلباته، مما جعله يهجرها، ونتج عن هذا أجيال غير مثقفة تفتقر إلي أبسط قواعد اللغة العربية، وانني أتهم المقرر المدرسي بهذا الانحدار الثقافي وأطالب بالعمل علي تنقيح النصوص المدرسية والاهتمام بلغة الطفل وشخصيته الجديدة المنفتحة علي العالم، والذي أصبح يقرأه ككتاب مفتوح، فالطفل الآن أصبح يستمع لمفردات جديدة علي مسامعه من خلال المجتمع المحيط به، وأصبح يسأل عنها، مما كون لديه ثقافة جديدة، يجب علي أي كاتب اتخذ لنفسه خط الكتابة للأطفال أن يواكبها، بل ويعمل علي إدراكها في أعماله، ولقد فكرت في انشاء قسم جديد في مجلة قطر الندي التي أتشرف برئاسة تحريرها، وهو خاص بالثقافة السياسية للطفل. وفي رأيي أن كاتب الأطفال لابد له من دراسة سيكولوجية الطفل بشكل متعمق دون استهتار بأدني تفاصيل هذا العالم الغامض المثير، ولابد له من الاطلاع علي الأدب العالمي والأدب العربي كما أننا في حاجة إلي أن تكون طفولتنا يقظة بدخلنا لكي نستطيع أن نحمل مسئولية الإبداع للطفل. الإبداع سهل علي المبدعبدأ الشاعر الكبير سمير عبد الباقي حديثه معنا مؤكداً علي أن الكتابة للطفل مثلها كمثل الكتابات الأخري، هي أبداع يُتقنه المبدع الحقيقي، ولكن هؤلاء الذين رفعوا شعارات الأدب والتربية والدراسات العلمية معظمهم كانوا من رجال التربية والتعليم، وحين كتبوا للأطفال حولوا الكتابة إلي شيء أكاديمي بحت، وأغفلوا أن معظم الدراسات أُخذت عن كتابات المبدعين أنفسهم، فمثلا الكاتب العالمي أندرسون لم يدرس نظريات التربية، ولكن العلماء صنعوا عديداً من الدراسات والنظريات عن إبداعاته. أما عن القيم والإرشادات التي تلزم الطفل قال سمير عبد الباقي: انها تنساب من المبدع الحقيقي من تلقاء نفسها دون أن تحتاج إلي عملية ضبط وإحضار كأن يقول الكاتب مثلا: اليوم سوف أكتب عن الصدق أو الشجاعة أو الصداقة .. الخ..، كما فعل كثير من كُتاب الأطفال المهتمين بالتربية والتعليم، وأقصد هنا التربية المصرية لا غيرها تربية اغسل يدك قبل الأكل وبعده ، الشكل الذي حول الكتابة للطفل إلي شيء شبيه بالمنهج الدراسي، والذي آخذ عليه إهماله لبراءة الطفل الفطرية، فنجد مثلا أن المُعلمة في دور التربية تقرأ القصة للأطفال ثم تسألهم عن الدروس المستفادة منها غافلة أن مجرد قراءة القصة في حد ذاته هو قمة الاستفادة، حيث يحقق للطفل المتعة ويطلق لخياله حرية الإبحار، إنني أتحدث عن التعليم الذي جاءنا بعد ثورة يوليو مهمشاً لما قبله بغرور صناعة القرار واستمر معنا حتي الآن كأحد جانبي التعليم المصري، حيث إننا نعيش نظامين مختلفين من التعليم، أحدهما علي أسس علمية سليمة، وهو تعليم الأغنياء وأولاد المسئولين عن وضع قوانين التعليم ، والآخر هو تعليم الفقراء، التعليم الإرشادي المستفز، الخالي من الإبداع أو حتي العلم الحقيقي، فمن الممكن جدا أن نجد أجنبياً يعلم عن تاريخنا ما لا يعلمه أولادنا ، ولهذا فإننا ككُتاب فشلنا لأننا تحولنا لمدرسين نلقي بدروس مثل التي يدهسها الأطفال بأقدامهم بمجرد الامتحان بها، وتركنا إبداعاتنا وتراثنا يستفيد بها الغير، فمثلاً ان نظرنا لحكايات هاري بوتر ومملكة الخواتم، وهي الحكايات الأكثر شهرة في الآونة الأخيرة، فإننا سنجد أنها مسخ عن ألف ليلة وليلة، والتي أخذوها في كثير من أعمالهم وأشخاصهم الخرافية التي عشقها الأطفال، وطوعوها لحسابهم، ونحن نقف في صفوف المتفرجين، مما جعل أطفالنا ينصرفون عن حكاوينا إلي تلك الشخصيات الكارتونية المليئة بالحركة والخيال، محققين بذلك رغبتهم في الانطلاق، والحركة والخيال، وهما أمران مهمان جدا للطفل ولكتابات الأطفال، التي لابد لها أن تتسم بالحرية دون التعدي علي القيم بالطبع ، ولكي نحقق هذا لابد من أن نفهم الحياة من حولنا برؤية الطفل، وأن نتمسك بالخيال، كما لابد لكاتب الأطفال أن يداعب الطفل بداخله، بل لابد أن يكون كطفل يري العالم بدهشته الأولي.غياب الخيالالكاتبة والروائية صفاء عبدالمنعم تري: ان الطفل أصبح لا يشعر بقيمة العلم ولا المتعلمين فأين الطفل الذي يحترم ويقدر أستاذه؟ وكيف سيتقبل منه النصيحة؟وذلك بالإضافة إلي غياب الحكايات التي كانت تحكيها الجدات والأمهات قبل النوم هل توجد الآن من تهدهد ابنها وتحكي له؟فالأسرة الآن تترك لأطفالها قنوات الدش والتليفزيون فيكون من خلالها ثقافته التي أصبحنا نحن الكبار لا نعرف عنها شيئا.وتضيف صفاء عبد المنعم:إن اختفاء الحكايات من كتاب القراءة والذي كان يسمي كتاب المطالعة وحكايات أيوب وكليلة ودمنة بعض الحكايات الشعبية المكتوبة بأسلوب سهل وبسيط، كان يتعلم من خلالها الطفل بأسلوب غير مباشر قيماً جمالية ودينية وأخلاقية مثل التعاون وحب الخير والنظافة الشخصية ونظافة البيئة من حوله.وعن كتابتها للأطفال تقول صفاء عبدالمنعم:كانت أول صدمة قابلتني عندما سألتني ابنتي أن أقص عليها حكاية قبل النوم فكان لابد من التأليف المباشر، وخلق حكايات ذات مضمون وتشبه الحدوتة الشعبية المحملة بالقيم والخيال وصناعة الصورة، وهو ما اختفي الآن حيث انعدم التخيل لدي الطفل، وفكرة البطة السوداء التي تربينا عليها، وكيف كانت منبوذة، كان يجب أن أجعل من هذه البطة شيئا مقبولاً وهي فكرة كيف نتقبل الآخر بغض النظر عن اللون والماهية، وهو ما خلق لدي فكرة قصة سفينة الحلوي التي صدرت عن كتاب قطر الندي وكانت أزمة شخصية ككاتبة روائية أكتب قصصا للأطفال لأول مرة.. كيف يمكن المزج بين الحكايات الشعبية التي تربيت عليها وبين حكايات أيوب وكليلة ودمنة؟ وكوني روائية كيف اطلق عملا يقنع الطفل فكان اختباري الأول هو أطفالي وحكاياتي معهم، ورد أفعالهم علي ما أقص.استسهال الكتابةأما الكاتبة والروائية د. زينب العسال نائب رئيس تحرير مجلة قطر الندي فتقول:إن كُتاب الأطفال لا يعرفون إلي من يتوجهون ولا من هو قارئهم ولا يستطيعون تحديد الفئة العمرية التي يخاطبونها في كتاباتهم وهذا في اعتقادي نوع من الاستسهال في الكتابة الموجهة للطفل توصف بـ الغتاتة و ثقل الظل ، وهذه النوعية لا تراعي جماليات الكتابة ولا أن القارئ طفل يجب أن ننمي داخله حب اللغة والقراءة، وهذه الكتابة لا تقدم شيئا للطفل وهي منتشرة بشدة في شعر الأطفال.. فهو غالبا يكون نظما مرصوصا.وتلفت زينب العسال النظر إلي ندرة الرساميين الجيدين في هذه المجلات الذين يستطيعون أن يرسموا قصة خيال علمي جيدة، أو الذين يملكون نوعا من التخيل يفتح آفاق المعرفة أمام الطفل، ومن المشاكل التي تعانيها زينب في مجلة قطر الندي ما تصفه بالابتزاز والإلحاح الشديد من محترفي الكتابة للطفل.الكاتب نشأت المصري رئيس تحرير عدد من مجلات الأطفال منها زمزم ، سنابل كان له وجهة نظر أخري.فهو يري أن المشكلة الحقيقية لهذه المجلات أنها لا تعتني بمشاكل الطفل الحقيقية باعتبارها مجلات عامة، بينما الطفل في هذا العصر بحاجة إلي أن يعرف ما يحدث تمهيدا لمواجهة مشكلات العولمة في السنوات القادمة.مشكلاتالدكتور طارق عبدالهادي أستاذ الأدب والترجمة في جامعة عين شمس والفائز بجائزة مهرجان برلين لأدب الطفل عن روايته ملك الأشياء وهي الرواية التي اختارتها معظم حكومات أوروبا لتدريسها للأطفال في المدارس، يري أن هناك كثيراً من المشكلات المرتبطة بعملية التمويل والدعاية وأيضا بثقافة الكاتب نفسه وأنه لا توجد أي رواية مصرية للطفل ذات مستوي أدبي رفيع باستثناء أعمال الأديب المصري يعقوب الشاروني.ويري طارق عبدالباري أن وسائل الإعلام يجب أن تقوم بدور الدعاية للكتب والمؤلفات دون مقابل من المؤلف أو الناشر وذلك لتحقيق هدف أكبر من المادة في حد ذاتها، فنشر الثقافة هدف قومي جدير بالاحترام والمساندة.أما عن دور الأسرة فيؤكد الأستاذ حسن صبري كاتب الأطفال بمجلة قطر الندي : إن الطفل القارئ استثناء.. فهو ليس حالة عامة.. فمعظم الأطفال لا يقبلون علي القراءة، والأسرة لها دور مهم في توجيه الطفل إلي القراءة، فعندما يجد الطفل والديه بعيدين تماما عن القراءة ولا توجد مكتبة في المنزل ولا يوجد اهتمام بالكتاب، فالطفل هنا يفتقد القدوة، وأري أن وجود مكتبة في المنزل من أول الأشياء التي تلفت نظر الطفل إلي الكتاب، وأذكر للدكتور لويس عوض عبارة رائعة عندما قال: تعلمت الوقوف بالاستناد علي الكتب التي كان أبي يصنع لي منها طريقا أحبو بين جنباته في سنواتي الأولي .وعن المكتبات المدرسية يستكمل الأستاذ حسن صبري:لا أشعر باهتمام أولادي بالقراءة ولا يوجد من يشجعهم علي ذلك بالمدرسة وهذا يدل علي عدم اهتمام بالمكتبات المدرسية ولا بالأنشطة مثل الموسيقي والرسم والتركيز فقط إن وجد علي المناهج الدراسية الجافة والبعد عن أي ترفيه .ونحن نري مما سبق أمورا كثيرة وعوامل تضافرت جميعها لتبعد ابناءنا عن متعة حقيقية استشعرناها يوما ما ونحن صغار.. فهل نطمع في أمور أخري تعيدهم وتأخذهم حيث كنا؟نأمل ذلك هناء دهينة

التنمية البشرية ودور التربية والشباب فيها

January 29, 2008 by rehabeldinelhawary

images.jpgالتنمية البشرية ودور التربية والشباب فيها

مقدمة:

من مأثورات المهاتماغاندي ” إنني لا أريد أن ترتفع الجدران من كل جانب حول بيتي، ولا أن يُحكم إغلاق نوافذي، إنني أريد أن تهب ثقافة كل أرض حول بيتي بأقصى قدر من الحرية، لكنني أرفض أن تقتلعني ريح أي منها من جذوري”

في العقد الأخير من القرن الماضي تنامي الوعي بقيمة الإنسان هدفاً ووسيلة في منظومة التنمية الشاملة، وبناء على ذلك كثرت الدراسات والبحوث والمؤتمرات التي عقدت لتحديد مفهوم التنمية البشرية وتحليل مكوناتها وأبعادها، كإشباع الحاجات الأساسية، والتنمية الاجتماعية، وتكوين رأس المال البشري، أو رفع مستوى المعيشة أو تحسين نوعية الحياة. وتستند قيمة الإنسان في ذاته وبذاته إلى منطلقات قررتها الديانات السماوية التي تنص على كرامة الإنسان والذي جعله الله خليفة في أرضه ليعمرها بالخير والصلاح. لقد ترسخ الاقتناع بأن المحور الرئيس في عملية التنمية هو الإنسان.

التنمية البشرية: فرض مصطلح التنمية البشرية نفسه في الخطاب الاقتصادي والسياسي على مستوى العالم بأسره وخاصة منذ التسعينات، كما لعب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وتقاريره السنوية عن التنمية البشرية دورا بارزا في نشر وترسيخ هذا المصطلح.

إن مصطلح التنمية البشرية يؤكد على أن الإنسان هو أداة وغاية التنمية حيث تعتبر التنمية البشرية النمو الاقتصادي وسيلة لضمان الرفاه للسكان، وما التنمية البشرية إلا عملية تنمية وتوسع للخيارات المتاحة أمام الإنسان باعتباره جوهر عملية التنمية ذاتها أي أنها تنمية الناس بالناس وللناس.

إن مفهوم التنمية البشرية هو مفهوم مركب من جملة من المعطيات والأوضاع والديناميات. والتنمية البشرية هي عملية أو عمليات تحدث نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل والمدخلات المتعددة والمتنوعة من أجل الوصول إلى تحقيق تأثيرات وتشكيلات معينة في حياة الإنسان وفي سياقه المجتمعي وهي حركة متصلة تتواصل عبر الأجيال زمانا وعبر المواقع الجغرافية والبيئية على هذا الكوكب.

والتنمية البشرية المركبة تستدعي النظر إلى الإنسان هدفا في حد ذاته حين تتضمن كينونته والوفاء بحاجته الإنسانية في النمو والنضج والإعداد للحياة .إن الإنسان هو محرك الحياة في مجتمعه ومنظمها وقائدها ومطورها ومجددها. إن هدف التنمية تعنى تنمية الإنسان في مجتمع ما بكل أبعاده الاقتصادية والسياسية وطبقاته الاجتماعية، واتجاهاته الفكرية والعلمية والثقافية.

إن مفهوم التنمية البشرية مركب يشمل مجموعة من المكونات والمضامين تتداخل وتتفاعل في عملياته ونتائجه جملة من العوامل والمدخلات والسياقات المجتمعة وأهمها: عوامل الإنتاج، والسياسة الاقتصادية والمالية، مقومات التنظيم السياسي ومجالاته، علاقات التركيب المجتمعي بين مختلف شرائحه، مصادر السلطة والثروة ومعايير تملكها وتوزيعها، القيم الثقافية المرتبطة بالفكر الديني والاقتصادي، القيم الحافزة للعمل والإنماء والهوية والوعي بضرورة التطوير والتجديد أداةً للتقدم والتنمية.

وهكذا يمكن القول أن للتنمية البشرية بعدين، أولهما يهتم بمستوى النمو الإنساني في مختلف مراحل الحياة لتنمية قدرات الإنسان، طاقاته البدنية، العقلية، النفسية، الاجتماعية، المهارية، الروحية ….

أما البعد الثاني فهو أن التنمية البشرية عملية تتصل باستثمار الموارد والمدخلات والأنشطة الاقتصادية التي تولد الثروة والإنتاج لتنمية القدرات البشرية عن طريق الاهتمام بتطوير الهياكل والبنى المؤسسية التي تتيح المشاركة والانتفاع بمختلف القدرات لدى كل الناس.

دور التربية في التنمية البشرية :

يقول الدكتور/ محمد الرشيد: “وراء كل أمـــــــة عظيمة … تربيـــة عظيمـة”:

يعتبر قطاع التعليم من أكبر قطاعات الخدمات التي تديرها السلطة الوطنية الفلسطينية ممثلة في وزارة التربية والتعليم العالي، حيث بلغ عدد الأطفال الذين يجلسون على مقاعد الدراسة بما فيهم رياض الأطفال مليون طالب وطالبة ونسبتهم حوالي 35% من مجموع السكان.ولقد سارت الوزارة في خطى حثيثة لتطوير التعليم وإعادة بناء ما أحدثته سلطات الاحتلال من تخلف ودمار في حقل التربية والتعليم، فقامت بإعداد الخطة الوطنية الخمسية لتطوير التعليم، ولقد سعت المناهج الفلسطينية الجديدة التي كانت من أول اهتمامات الوزارة على التركيز على أنها جزء لا يتجزأ من العملية التنموية بحيث تكون الموضوعات المطروحة تحتوي على مادة عصرية ملمة بكل التطورات التكنولوجية والحياتية الحديثة ولتمكن الإنسان الفلسطيني من التعامل البناء مع متطلبات العصر. كما وحملت المناهج الفلسطينية التي مازالت تجد طريقها إلى النور رسالة في أن تحيي وتعزز روح الخلق والإبداع لدى الطلبة الفلسطينيين ومعالجة القضايا المعاصرة بشكل يعزز المساواة بين الرجل والمرأة والاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان والبيئة، ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة وتكريس روح المواطنة ونبذ التعصب والقبلية والتفرقة والتمييز العنصري.

مكونات دليل التنمية البشرية ( برنامج دراسات التنمية/ جامعة بيرزيت إبريل/2000 ).

يتكون دليل التنمية البشرية، كما يطرحها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، من ثلاثة مكونات أساسية وهي: طول العمر (مقاسا بتوقع العمر عند الولادة)، والمعرفة (مقاسا بنسبة معرفة القراءة والكتابة عند الكبار، ومتوسط سنوات الدراسة) ومستوى المعيشة ( مقاسا بالقدرة الشرائية بالاستناد إلى معدل الدخل المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد)”.

وحيث أن التربية لها دور أساسي في عملية التنمية البشرية فلابد من إتاحة الفرصة أمام كل إنسان لتنمية قدراته التربوية، ومن أهم الشروط الضرورية لإتاحة حق الإنسان في الثقافة والتعليم:

1- . حق التعليم للجميع لأنه من حقوق الإنسان الأساسية في الحياة ،وإتاحة الفرصة لكل فرد في تنمية طاقاته من خلال مؤسسات الثقافة والتعليم .

2. إشاعة الحرية في المؤسسات الثقافية والتعليمية وترسيخ أسس الحوار الديمقراطي،ضماناً لرفع الكفاءة في العمل وتجديده وتطويره.

3- . القضاء على الأمية، لأن الأمية تعتبر عائقاً من عوائق التنمية والتجديد فهي ميدان للتفكير المتعصب والخرافي والسلطوي .

4- . التأكيد على سنوات التعليم الأساسي للجميع والتوسع والتنوع في مؤسسات التعليم الثانوي والجامعي والعالي لمواجهة مطالب سوق العمل .

5- . التركيز على مبدأ التعليم المستمر مدى الحياة والإعداد للتعلم الذاتي مما يساعد الإنسان على التكيف مع واقعه حيث يصبح فاعلاً لا مجرد تابع أو مستقبِل فقط .

6- . ترسيخ المساواة والتقدير لكل فروع المعرفة الإنسانية وخبراتها سواء كان عملا ذهنيا، عمليا، تنظيميا، فنيا، إنتاجيا، تعليميا أو جماليا.

7- . التقدير المتكافئ لمختلف الأنشطة المجتمعية وتكاملها، لأن الإنسان كائن مركب من طاقات مختلفة : بدنية،عقلية، اجتماعية، روحية،وجدانية وتنمية هذه الطاقات يتطلب الوفاء باحتياجاتها البيولوجية والجسمية والمعنوية.وواقع تعليمنا يركز على الإنسان الجزئي عن طريق تلقين وحشو الأذهان بالمعلومات .

عقبات توظيف التربية في التنمية البشرية: ويمكن تلخيصها فيما يلي :

1- . التعليم البنكي الذي يرتكز على إيداع المعلومات في ذاكرة الطلاب ليستردها كما هي في الامتحانات، دون التركيز على تنمية أنماط مختلفة من التفكير تساعد على تفتح المواهب والقدرات الخاصة وتحقيق الذات. لاشك أن تفجير الطاقات الذهنية تعتبر من ضرورات التنمية البشرية.

2. إشكالية التوظيف الاجتماعي لإسهامات التعليم والثقافة وعلاقتها بالتجديد في مسيرة التنمية البشرية. والمشكلة تتراوح بين استخدام السلطة السياسية للإسهامات التربوية كقنوات للمحافظة أو عوامل للتجديد.

3 . إغراق التعليم في اللفظية بعيدا عن تطبيقاته في الحياة العامة والخاصة للمتعلمين، وبذا يصبح التعليم بلا معنى، ويزول مع امتداد الفترة الزمنية أو حتى بعد استظهاره للامتحانات.

4 . التنافس بين الهدف الاقتصادي والاجتماعي للتربية ولمن تكون الأولوية وأين تقع مراكز الثقل في عمليات التعليم والتعلم.

5. تعدد مؤسسات التعليم والثقافة، الرسمية والخاصة، والقلق حول دور التعليم والثقافة في توثيق أواصر التماسك الاجتماعي .

6 . الاضطراب بين القيم الفردية والفئوية من ناحية والقيم المجتمعية العامة من ناحية أخرى ولقد غدا جمع الثروة بأي أسلوب وبأقصر الطرق دافعاً ملحاً للأمن والأمان وأبرز صورها “الدروس الخصوصية” الذي بدت تتفشى في مجتمعنا.

7 . عدم تكافؤ الفرص بين الجنسين هي من أكبر إشكاليات التنمية البشرية وبروز الثقافة الذكورية الأبوية واعتبارها ظاهرة مقنعة في كثير من السياسات و الممارسات والرؤى الفكرية وفرص الحياة العملية.

الشباب والتنمية البشرية :

إن الشباب هي أغلى فترة في حياة الإنسان ، وهم أغلى ثروة وقيمة في حياة المجتمع و لهم المكانة الكبرى في حياة الأمة.إن أهمية الشباب في الحاضر والمستقبل نابعة من أهميته على الدوام لما له من أثر في حياة الإنسان فهو القوة والحيوية والحماسة.

تطلعات الشباب:

إن أبسط مطالب الشاب أن يحيا حياة كريمة وآمنة، بحيث يجد سبل العيش الكريم وأن يجد المناخ الآمن لإقامة حياة أسرية كخلية أساسية في بناء المجتمع من أجل تحقيق الذات والمكانة الاجتماعية المرموقة.
ويرى (الجو ير،1994) أن أهم حاجات الشباب هي :

1 . الحاجة إلى الشعور بالأمان.
2 . الحاجة للتعبير الإبتكاري.
3 . الحاجة إلي الانتماء.
4 . الحاجة إلي المنافسة.
5 . الحاجة إلي خدمة الآخرين.
6 . الحاجة إلي الحرية والنشاط.
7 . الحاجة إلي الشعور بالأهمية.
8 . الحاجة إلي ممارسة خبرات جديدة و الشعور بالمخاطرة .

دور الشباب في التنمية: يمكن تلخيصها فيما يلي:

1 . المشاركة في تحديد احتياجات المجتمع المختلفة وإعداد الخطط اللازمة تبعا لقدراته.
2 . المشاركة الفعلية في بناء أمن المجتمع واستقراره من خلال المؤسسات المختلفة.
3 . إسهام الشباب في الخدمات الاجتماعية والتطوعية.
4 . المشاركة في البرامج التعليمية التربوية مثل محو الأمية، ودورات التثقيف والتوعية……..الخ .
5 . الإسهام في ترسيخ الحضارة والتراث الشعبي والوطني.
6 . توصيل ونقل خبرات وعلوم ومعارف وثقافات الشعوب الأخرى وانتقاء الأفضل والصالح لخدمة المجتمع.
7 . المشاركة في حماية أمن وسيادة الوطن. (الجوير، 1994) .

التنمية البشرية في المجتمع الفلسطيني:

إن التنمية البشرية للإنسان الفلسطيني طغت عليها القضايا السياسية التي تسعى لتحرير الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني. إن تقارير المنظمات الدولية، ومنظمة اليونسكو، والصحة العالمية، والاونروا، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كلها تُجمع على الأحوال المعيشية المتدنية التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الذي يعد من أبشع صور الاحتلال التي عرفتها البشرية. إن هناك العديد من قرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية والمنظمات الإنسانية التي تدين انتهاك إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطيني وتندد بجرائم الاغتيال، والطرد والحصار وهدم البيوت والمؤسسات الاقتصادية، والاعتقال، والعقاب الجماعي, وحصار المدن الفلسطينية ……….الخ.

ومع ذلك فقد مرت التنمية في فلسطين بعدة مراحل كما يراها (لبد،2001):

1 . مرحله ما قبل اتفاق أوسلو: شكلت التجربة الفلسطينية تحت الاحتلال تجربة فريدة، ففي بداية الثمانينات ظهر شعار “التنمية من أجل الصمود” حيث لعبت مبادرات الأحزاب السياسية والاتحادات والجمعيات والمعاهدات الذاتية دورا أساسيا في بناء المؤسسات الوطنية. وذلك من أجل الصمود، والتنمية المقاومة، والاقتصاد المنزلي، والعمل التطوعي والتنمية المحلية.وكانت هناك المبادرات التنموية الخارجية عبر نشاطاتها المتعددة والتي اعتمدت في تحويلها على مصادر حكومية أو غير حكومية وكانت مدفوعة للعمل في فلسطين بدوافع إنسانية، عقائدية ……الخ.

2 . ما بعد اتفاقية أوسلو: بإشراف البروفيسور يوسف الصايغ ومجموعة من الأكاديميين والمؤسسات الفلسطينية (1993) تم وضع خطة إنمائية طموحة بهدف إعادة بناء المجتمع الفلسطيني وتصحيح التشوهات التي سببها الاحتلال. وخلق فرص عمل وتطوير البنية التحتية وتشجيع قطاع التصدير والإسكان، وتنمية الموارد البشرية وتحسين الأوضاع الاجتماعية، إلا أن تطبيق هذا البرنامج اصطدم بعقبة التمويل، وبعد ذلك كانت هناك خطط تنموية أخرى ركزت على التنمية الاقتصادية والريفية، تطوير المؤسسات المختلفة، تنمية الموارد البشرية، تحسين الأوضاع الاجتماعية وترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ولكن اصطدمت تلك الخطط بالممارسات اليومية للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة التي انعكست آثارها السلبية بشكل مباشر على المجتمع الفلسطيني من كافة النواحي.

3 . انتفاضة الأقصى: تعجز الأرقام عن تحديد ما ألحق ببنية المجتمع الفلسطيني المؤسساتية، الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية من دمار نتيجة السياسة المنهجية التي يمارسها الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، لقد دمر ما تحقق من تنمية بشرية خلال السبع سنوات الماضية، ومما لاشك فيه أن أثار هذا الدمار ستؤثر على خطط التنمية البشرية المستقبلية، إن تدني مستوى المعيشة نتيجة الحصار وتقطيع أواصر الوطن إلى كنتونات وانخفاض الدخل لأدنى مستوى والتراجع الملموس في الخدمات وخاصة الصحية منها، والقهر النفسي والإذلال الذي يتعرض له المواطن الفلسطيني ستؤثر سلبا على خطط التنمية البشرية التي نطمح لها. إن تحقيق تنمية بشرية حقيقية في فلسطين يتطلب العمل بشكل حاسم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته على إمكانيات الشعب الفلسطيني وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية التي تتمتع بكامل السيادة.

 

د. محمد يوسف أبو ملوح
مركز القطان للبحث والتطوير التربوي - غزة

_____________

المصادر:
1 . تقرير التنمية البشرية- فلسطين 1998/1999-إبريل (2000) برنامج دراسات التنمية- جامعة بيرزيت –فلسطين
2 . عمار، حامد (1999) دراسات في التربية والثقافة (7) وفي التنمية البشرية وتعليم المستقبل- عربية للطباعة والنشر- القاهرة.
3 . عمار، حامد (199 8) دراسات في التربية والثقافة (6) وفي التنمية البشرية وتعليم المستقبل- عربية للطباعة والنشر- القاهرة.
4 . لبد، عماد (2001) التنمية الاقتصادية في فلسطين- رؤية العدد 11 الهيئة العامة للاستعلامات- غزة- فلسطين .
5 . وزارة التربية والتعليم (2002)- الخطة الوطنية للتعليم للجميع، الإدارة العامة للتخطيط والتطوير التربوي- غزة- فلسطين.

فليتواصل تضامن الشعب المصري

January 29, 2008 by rehabeldinelhawary
فليتواصل تضامن الشعب المصري
مع صمود الشعب الفلسطيني
في هذه اللحظات العصيبة يعيش الشعب الفلسطيني تحت القصف والحصار الإسرائيلي مأساة إنسانية على مرأى ومسمع من العالم اجمع حيث يحصد القتل والحصار والجوع والمرض أرواح الفلسطينيين ،و كل تلك الجرائم المنظمة تحدث بدعم وتأييد الإدارة الأمريكية وعلى رأسها مجرم الحرب بوش ، ونحن إذ ندين هذا الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل في حربها القذرة ضد الشعب الفلسطيني لا يسعنا إلا أن ندين أيضاً هذا الصمت بل والتواطؤ الأوروبي الذي لم يتخذ أي موقف واضح ضد الممارسات الإسرائيلية الهمجية، وأخيراً فإننا ندين بكل قوة الضعف العربي المزري الذي سمح لإسرائيل وأمريكا بكل هذه العربدة في المنطقة، وهو ضعف ما كان يمكن له أن يحدث إلا في ظل حكومات عربية تابعه ومتواطئة ومستبدة .
  وفى ضوء موقفنا الثابت من معارضة اتفاقيات كامب دافيد فإننا نؤكد أيضا على ضرورة الضغط على النظام المصري لإلغاء الاتفاقات الخاصة بالمعابر لأن ما قامت به إسرائيل من انتهاكات يجعل الإدارة المصرية في حل من الالتزام بها لانه يعتبر في هذه اللحظة بمثابة مساهمة في الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني،خاصة ان معبر رفح أصبح معسكرا دائما لذل وإهدار كرامة وتعذيب العالقين على الحدود. ونحذر فى هذا الصدد النظام المصري من الاستمرار فى الرضوخ للضغوط الصهيونية الأمريكية  التي تتوالى لأحكام الحصار على الشعب الفلسطيني ، ونشيد في هذا الإطار بالشعب الفلسطيني الذي نجح فى كسر الحصار واللجوء إلى مصر التي كانت وستظل سندا للشعب الفلسطيني، كما نحيى استقبال واحتضان المصريين لأبناء الشعب الفلسطيني في رفح والعريش.
   وتؤكد اللجنة الشعبية للتضامن مع انتفاضة الشعب الفلسطيني على استمرار جهودها الرامية إلى دعم وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وإطلاق طاقاته فى المقاومة فى مواجهة هذه الهجمة الصهيونية – الأمريكية الشرسة، كما تؤكد اللجنة أيضا على أن هذه الهجمة الشرسة ستنكسر لا محالة على صخرة الصمود الفلسطيني الذي يجب ان يستند أولاً وقبل أي شئ على وحدة نضال الشعب الفلسطيني بكل فصائله وطوائفه ضد الاحتلال الصهيوني.
وأخيرا تهيب اللجنة بالشعب المصري أن يواصل تضامنه ودعمه للشعب الفلسطيني الذي يعتبر نضاله جزا لا يتجزأ من نضال كل شعوب المنطقة ضد هذه الهجمة الاستعمارية الصهيونية – الأمريكية.
اللجنة الشعبية لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني
28 /1/2008    

الانوثه والادب

January 29, 2008 by rehabeldinelhawary

الانوثه والرومانس في الكتابةالنسائية

  photo217ak0.jpg

  قامت الكاتبة والناقدة العراقية فاطمة المحسن بكتبة مقال بعنوان(( الأنوثة والرومانس في الكتابة النسائية من غادة السمان حتى أحلام مستغانمي )) وجاء في هذا المقال مايلي:

سنجد أنفسنا ونحن نحاول تعريفا لما يسمى »أنوثة الادب« الذي تكتبه المرأة, الاستعانة بمصطلح يبدو شبه ثابت, ولكنه يتحرك على هوامش متغيرة حسب الازمنة والامكنة. فالانوثة هذا التعبير الذي يلصق بكتابة المرأة, هو محض إفتراض قد يقبل الدحض, مثلما يقف على براهين تجيزه, شأنه شأن الكثير من التوصيفات او التأويلات التي يلجأ اليها النقد كي يمسك بالنص أو كي يرسم زاوية النظر المنهجية. بيد ان من المبالغة بمكان ان نعتبر أداء المرأة الكاتبة لايمت بصلة الى طبيعتها او مشكلاتها او نظرتها الى الحياة التي تكتسي في الغالب طابعا مختلفا عن الرجل,وتلك في المحصلة تشكل هوية الكتابة النسوية التي نسميها أنثويتها . غير ان تلك الانثوية تبقى تخضع الى احتكامات مرحلتها وثقافة زمانها, فما مثلته أنثوية رواية جين أوستن تختلف قليلا او كثيرا عن تمثلات رواية فرجينيا وولف, والاخيرة لاتشابه تجربة آيرس مردوخ الابداعية, مع انهن يتشاركن في موروث أدبي واحد ويمتحن من مصادر البيئة الثقافية والاجتماعية ذاتها. وهنا يبرز فارق الزمن الذي مايز كتابة عن أخرى في التعبير عما يسمى التجربة الانثوية. كذا الحال عربيا, فليس بمقدورنا ان نجد علاقة بين ما كتبته رائدات عصر النهضة وبينهن عائشة التيمورية ولبيبة هاشم, وما مثلته قصة سميرة عزام او اميلي نصر الله, مثلما تختلف هذه الاخيرة عن تجربة ليلى بعلبكي وكوليت خوري ثم غادة السمان.

والحال ان الانوثة في الكتابة هي قواعد ومعايير يؤثر فيها السلوك الاجتماعي والثقافي العام, قدر ماهي نتاج حساسية وثقافة الفرد المعني بالتعبير عنها كاتبا كان ام كاتبة. وان جاز لنا هذا التصنيف على نحو مختلف, فلنا ان ننسب كتابة المرأة الى سلالة من الرجال الذين يمثلون مرحلتها أكثر من انتسابها الى تجارب نسائية تسبقها.

بيد ان هذا الافتراض يخضع الى اعتبارات تتعدى الزمن وثقافة المرحلة, فالانوثة اذا كانت تخضع الى تمثلات الوعي العام وتأثيرات البيئة والثقافة المحلية,تقوم في كل الاوقات على مشتركات فيما يسمى الاداء الانثوي, وتكاد تكون تلك المشتركات واحدة ومتكررة ومتواترة على امتداد العصور. فما ارتبط بالانوثة من لين ورقة ونعومة يصبح العنصر الذي يحدد الهوية الانثوية, ويضع الشرط الاول للكتابة عن المرأة او لتشخيص نوع الكتابة النسوية. فالرجال الذين يكتبون عن المرأة او يكرسون أقلامهم لتصوير عوالمها ومواضيعها, يجدون انفسهم في موقع القبول المسبق بشروط النعومة والرقة واللين التي تسمى انوثة في نمط تمثلاتهم الخيالية عن المرأة. فعالم المرأة المرتبط بالجمال والحب والسحر هو بالضرورة رومانسي. لاحظ إيليا الحاوي في كتابه (الرومانسية في الشعر الغربي والعربي) ان روح شعر الحب والغزل منذ إمرئ القيس حتى اليوم هي روح رومانسية حتى ولو كان شكله التعبيري والصوري والفكري كلاسيكيا. الجانب الرومانسي في شعر امرئ القيس عن المرأة والحب ينبع كما يرى الحاوي من فكرة »التوحيد بين المرأة والطبيعة في ذلك الشعور العفوي الحاد والعميق, وقد يكون منبعثا من حس رومانس عميق بفتنة المرأة والطبيعة معا«. وهكذا تواصل الربط بين المرأة والرومانس عبر كل المراحل في الشعر والنثر العربي.

ظهور الرومانسية الحديثة التي شهدها مطلع القرن العشرين في الادب الشامي والمصري, لم يكن فقط انعاكسا او تأثرا بالموجة الرومانسية الغربية, بل ايضا بسبب تطورات اجتماعية وفرت حرية التعبير عن العواطف الجديدة والحب الحضري المديني, بعد ان كان الحب عند القدامي يحمل مسحة متصحرة, كما حققت تلك التطورات للمرأة العربية حضورا في الحياة بعد ان حجبتها الفترة الظلامية.

هناك نوعان من الكتابة الرجالية الرومانسية التي انعكست على كتابات المرأة او كانت الكاتبات قريبات من أجوائها: الاولى : الموجة التي استخدمت الانثى ذريعة لتصوير المثال الجمالي للفنان,وهي موجة كانت قد تحولت النساء على يدها الى معبودات يهيم في عالمهن الرجال. والثانية اعتمدت على مابين المرأة والجسد كلذة وخطيئة من صلة وثيقة, كما عند الياس ابي شبكة. وفي الحالين تبقى المرأة وفق النظرة الرومانسية غير مكافئة لواقع حالها او للمشكلات العصية التي تواجهها,بل ويصر الكتاب على تجاهلها بالمثال الجمالي الذي يلغي وجودها.

في تلك الاثناء برزت قصيدة نزار قباني المختصة بالمرأة والانوثة وهي تحمل كل مواصفات النص الرومانسي وتقيم الدليل على ان فن الامتاع في الادب لن يكون ممكنا الا بالتقرب من الخيال الشعبي الذي يمزج بين التسلية وصورة المرأة الجميلة.

الافتراض الذي يبنى على أساس ان المرأة محض طرف في علاقة يشكل الرجل جزءا اساسيا فيها, يجعل الكتابات التي تصدر منها او عنها, تتلبس طابعا رومانسيا بالضرورة او هكذا تبدو في التجارب التي تغلب على الكتابة العربية الى يومنا . فالمرأة تمثل طرفا في علاقة تقوم على الحب والعواطف اولا, وحضورها لابد ان يصاحبه طقسه الخاص المتمثل بالرغبة الجنسية,ولن يكون بمقدورنا تسويغ تلك الرغبة ادبيا من دون وضعها في اطار رومانسي.

دور المرأة في الادب يشبه دورها في الحياة, مكملة للمهمة التي خلق من أجلها الرجل, ومهمته ادارة الحياة, وهي مهمة متعددة الاوجه بما فيها وجه تمثلها أدبيا او التعبير عنها ادبيا. تلك البديهية التي حبر النقد الفامنستي الصحائف من أجل ازاحة النقاب عنها وادانتها, لاتقدم ولاتؤخر في رسم صورة المرأة عن ذاتها كمبدعة,مثلما الحال في تخيل الرجل الكاتب لدورها في عمله الادبي.

تجربة الحب التي تبدو مصاحبة للتجربة الانثوية, او هي ان شئنا سدتها ولحمتها, تشترط او تفرض نمطا من الكتابة يبدو في النهاية مرتبطا بإبداع قد يكون واحدي التمظهر ويشكل الرومانس الجزء الاساسي من تمثلاته.

غير ان تلك التجارب غير متساوية عند الكاتبات انفسهن في الفترة التي انبعثت فيها الموجة الرومانسية في كتابة النساء. فلطيفة الزيات ونوال السعداوي مثلا,ظهرتا كممثلات لصوت النسوية في الرواية العربية من دون تلك الحمولة الرومانسية التي تنوء بها قصص ليلى بعلبكي وغادة السمان وكولييت خوري وحتى اميلي نصر الله. القاصات المصريات كن ينظرن الى تجاربهن وتجارب بنات جنسهن, بما فيها التجارب الجنسية, من خلال مختبر الوعي والمنطق,وبعيدا عن تهويمات الذات الرومانسية والاحساسات الوجودية المضخمة. وان كانت الزيات تضع الخبرة التاريخية في مقدم ما ينبغي ان يستهدي بها وعي المرأة, فان السعداوي تثور على جذور التفرقة الدينية والاجتماعية.

يتعين علينا والحال هذا, تصور ان قضية المرأة التي شغلت الكاتبات, كانت من بين اسباب تكريس صورة المرأة الرومانسية, وهي صورة فيها بعض إهمال للواقع, او مبالغة قد تبلغ حد الكاريكاتيرية في تصويره. وسنجد انفسنا في خيارات الكلام عن فاعلية تلك الكتابات,منحازين الى نمط من الكتابة البريئة من ذلك الوعي الناقص, فقد يسهم هذا النوع من الوعي في تحجيم امكانية الكاتبة في الافصاح عن شخصية المرأة الحقيقية, وبالتالي تقديم تجربة جديدة ومختلفة عما عرفتها الذاكرة الادبية المتداولة. وهذا يتوضح بقوة ضمن ثقافة التلقي العربية التي لاتستطيع الفصل بين ما تكتبه المرأة وتجربتها الشخصية. فتقاليد الكتابة النسوية القصصية مازالت هشة مع ظهور كاتبات تميزن عن الرجال قصصيا. السبب كما نتخيل يعود بهذا الشكل او ذاك, على عادات قراءة ادب المرأة التي لم تتغير كثيرا منذ بواكير اسهاماتها في القرن التاسع عشر. فالقارئ يريد كاتبته تتطابق مع صورة المرأة المرغوبة, أمثولة في الامتاع والجمال الجسدي الذي ينقله الى عوالم يفتقدها في واقعه. غير ان القارئ غير مسؤول عن هذا الاشكال قدر ماتكرسه رغبة الكاتبات في ديمومة تلك الشروط المجحفة بحق تجربتهن, بوضعها ضمن إطار الشخصية المطلوبة والمألوفة والمتكررة عن المرأة.

يصعب على الكاتبة في أوقات كثيرة,تجاهل إغراء الامتيازات التي توفرها صورة النجمة الانثى المرغوبة اجتماعيا, إلا بفعل مقايضة من نوع آخر, وهي دورها كمناضلة او مبشرة بقضيتها المركزية, قضية المرأة. وفي الحالين تحدث حالة التوتر بين دوريها كأديبة ومبدعة وبين قضيتها. والمفارقة ان قضيتها ليست قضية واحدة, فهناك مطلبان يتحركان في هاجس الكثير من تجارب الكاتبات العربيات: الاول مطاليب الحرية التي تضعها الكاتبة مثل قائمة على طاولة عملها, والمطلب الثاني رغبتها الشخصية تقديم صورة النجمة التي تمكنها إجتماعيا من الظهور بمظهر الانثى المشتهاة. ولا نعرف مدى التعارض بين الدورين. غير ان ما قيل عن تخطي تابو الجنس في الكتابة النسائية قد حصر اداء المرأة الابداعي في زاوية وحيدة وهي محاولة التوفيق بين قصص الجيب الغربية,والرومانسية.

في الحالين لن يكون للنوع الابداعي بما هو عليه الحال من فصل بين الفن وأغراضه, من جدوى الا في ميدان وحيد وهو ميدان العمل على اللغة. اللغة التي تغدو مصيدة القارئ الى هذا النوع من الادب, او هي الدليل القاطع على تمكن الاديبة من فنها, فما وصم به ادب المرأة في السابق من ضعف وركاكة لغوية, يجري التعويض عنها ببلاغة خاصة, بلاغة انثوية,تمايز الكاتبة عن كتاب مرحلتها على نحو لايقبل الدحض.

هذا النوع من الادب النسوي كان من نتاج مرحلة الستينيات, فكاتبات المراحل التي تسبقها كن في موقع الدفاع عن مكانتهن بين عالم أدبي رجالي في الاصل. فما عانته باحثة البادية (ملك حفني ناصف) اوعائشة التيمورية من طعون في أدبية أدبها, وما جابهته مي زيادة ونازك الملائكة من محاولات إلغاء وتهميش, ربما اسهمت في تحديد مصائرهن اللاحقة. كان شعور المرأة الكاتبة بالوهن والخوف من تجربتها ومن عدم قدرتها على الصمود امام تجارب الرجال وراء انكفاء او انسحاب العديد منهن من الساحة الادبية.

جاءت تجربة الستينيات وما سبقتها قليلا, في كتابة المرأة لترد على تلك الاحباطات بكتابة شجاعة ومنفتحة ومتحدية,بل مهاجمة لأكبر المواقع التي انطلق منها تابو الكتابة وهو الجنس.

لعل تجربة غادة السمان تقدم أمثولة لنوع الكتابة الانثوية المتحدية التي لم تهادن في معركة كانت قد صممت على ان تربحها وتتفوق فيها على الرجال انفسهم.نهج غادة السمان في الكتابة ولغتها أصبحا تقليدا يتداوله الرجال وليس النساء فقط., وتراجعت الطعون بحق كتابة المرأة في السابق, فغادة السمان بين قليلات لم يتبادر الشك بموهبتها الخاصة من دون عون رجل يقف خلف ماكتبت. كانت صاحبة دار نشر وسطوة تتبدى في كل كلمة تكتبها. ومع ان ليلى بعلبكي وكوليت خوري سبقتا السمان في هذا الاتجاه, غير ان حضور السمان الادبي المتواتر واختيارها سياسة اعلامية ناجحة ساعدا على نشر ادبها على نطاق واسع وجذب اليها شعبية لم تكن تحظى بها الكاتبة سابقا. بين اهم اسلحة ذلك النجاح ما طرحته عن نفسها كممثلة للثورة الجنسية الستينية التي كان من الصعب ان تحلم بنوايا الالتحاق بها اية أديبة عربية, فقد أشبعت غادة السمان قصصها بنساء يتطلعن الى ان يصبح لهن حق المساواة في الفراش وليس فقط في الحياة العادية. وهي بهذا حققت اختراقا لأكبر التابوات في عالم الكتابة النسائية العربية, هذا الموضوع الذي اصبح لاحقا من بين اكثر المواضيع تداولا في الكتابة النسائية وبين الشاعرات على وجه الخصوص. في حين لم تجرؤ على مناقشته في تلك الفترة سوى نوال السعداوي من منطلق علمي حتى وان تلبس طرحا روائيا. وبتواتر حضورها الادبي على مدى ثلاثة عقود او يزيد, تكاد السمان ان تكون الاكثر وضوحا في تكريس هذا النهج, وبما تركته من آثار على الكتابة النسائية الاكثر نجاحا والممثلة بتجربة أحلام مستغانمي.